الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

332

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مناسبة ذكره هذه الجملة أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات الإلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإنسان ، فهذه الجملة بدل اشتمال من جملة لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 5 ] وهو أيضا مناسب لمضمون جملة وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [ الحديد : 5 ] تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو اللّه تعالى فإنهم يعتقدون أن الليل والنهار هما اللذان يفنيان الناس ، قال الأعشى : ألم تروا إرما وعادا * أفناهما الليل والنهار وحكى اللّه عنهم قولهم : وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] فلما قال : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [ الحديد : 5 ] ، أبطل بعده اعتقاد أهل الشرك أن للزمان الذي هو تعاقب الليل والنهار والمعبر عنه بالدهر تصرفا فيهم ، وهذا معنى اسمه تعالى : « المدبر » . وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . لما ذكر تصرف اللّه في الليل وكان الليل وقت إخفاء الأشياء أعقب ذكره بأن اللّه عليم بأخفى الخفايا وهي النوايا ، فإنها مع كونها معاني غائبة عن الحواس كانت مكنونة في ظلمة باطن الإنسان فلا يطلع عليها عالم إلا اللّه تعالى ، وهذا كقوله تعالى : وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ [ الأنعام : 59 ] ، وقوله : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [ هود : 5 ] . بِذاتِ الصُّدُورِ : ما في خواطر الناس من النوايا ، ف ( ذات ) هنا مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحبة . والصحبة : هنا بمعنى الملازمة . ولما أريد بالمفرد الجنس أضيف إلى « جمع » ، وتقدم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ في سورة الأنفال [ 43 ] . وقد اشتمل هذا المقدار من أول السورة إلى هنا على معاني ست عشرة صفة من أسماء اللّه الحسنى : وهي : اللّه ، العزيز ، الحكيم ، الملك ، المحيي ، المميت ، القدير ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، العليم ، الخالق ، البصير ، الواحد ، المدبر . وعن ابن عباس أن اسم اللّه الأعظم هو في ست آيات من أول سورة الحديد فهو يعني مجموع هذه الأسماء .